محمد بن جرير الطبري
133
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
إلى ملكهم ، وكان لقومهم لوح يكتبون فيه ما يكون ، فنظروا في ذلك اللوح ، وسأله الملك ، فأخبره بأمره ، ونظروا في الكتاب متى فقد ، فاستبشروا به وبأصحابه ، وقيل له : انطلق بنا فأرنا أصحابك ، فانطلق وانطلقوا معه ، ليريهم ، فدخل قبل القوم ، فضرب على آذانهم ، فقال الذين غلبوا على أمرهم : لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : مرج أمر أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت فيهم الملوك ، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت ، وفيهم على ذلك بقايا على أمر عيسى ابن مريم ، متمسكون بعبادة الله وتوحيده ، فكان ممن فعل ذلك من ملوكهم ، ملك من الروم يقال له : دقينوس ، كان قد عبد الأصنام ، وذبح للطواغيت ، وقتل من خالفه في ذلك ممن أقام على دين عيسى ابن مريم . كان ينزل في قرى الروم ، فلا يترك في قرية ينزلها أحدا ممن يدين بدين عيسى ابن مريم إلا قتله ، حتى يعبد الأصنام ، ويذبح للطواغيت ، حتى نزل دقينوس مدينة الفتية أصحاب الكهف ؛ فلما نزلها دقينوس كبر ذلك على أهل الإيمان ، فاستخفوا منه وهربوا في كل وجه . وكان دقينوس قد أمر حين قدمها أن يتبع أهل الإيمان فيجمعوا له ، واتخذ شرطا من الكفار من أهلها ، فجعلوا يتبعون أهل الإيمان في أماكنهم التي يستخفون فيها ، فيستخرجونهم إلى دقينوس ، فقدمهم إلى المجامع التي يذبح فيها للطواغيت فيخيرهم بين القتل ، وبين عبادة الأوثان والذبح للطواغيت ، فمنهم من يرغب في الحياة ويفظع بالقتل فيفتتن ، ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله فيقتل ؛ فلما رأى ذلك أهل الصلابة من أهل الإيمان بالله ، جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل ، فيقتلون ويقطعون ، ثم يربط ما قطع من أجسادهم ، فيعلق على سور المدينة من نواحيها كلها ، وعلى كل باب من أبوابها ، حتى عظمت الفتنة على أهل الإيمان ، فمنهم من كفر فترك ، ومنهم من صلب على دينه فقتل ؛ فلما رأى ذلك الفتية أصحاب الكهف ، حزنوا حزنا شديدا ، حتى تغيرت ألوانهم ، ونحلت أجسامهم ، واستعانوا بالصلاة والصيام والصدقة ، والتحميد ، والتسبيح ، والتهليل ، والتكبير ، والبكاء ، والتضرع إلى الله ، وكانوا فتية أحداثا أحرارا من أبناء أشراف الروم . فحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانه وضح الورق . قال ابن عباس : فكانوا كذلك في عبادة الله ليلهم ونهارهم ، يبكون إلى الله ، ويستغيثونه ، وكانوا ثمانية نفر ؛ مكسلمينا ، وكان أكبرهم ، وهو الذي كلم الملك عنهم ، ومحسيميلنينا ، ويمليخا ، ومرطوس ، وكشوطوش ، وبيرونس ، ودينموس ، ويطونس قالوس فلما أجمع دقينوس أن يجمع أهل القرية لعبادة الأصنام ، والذبح للطواغيت ، بكوا إلى الله وتضرعوا إليه ، وجعلوا يقولون : اللهم رب السماوات والأرض ، لن ندعو من دونك إلها لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وادفع عنهم البلاء وأنعم على عبادك الذين آمنوا بك ، ومنعوا عبادتك إلا سرا ، مستخفين بذلك ، حتى يعبدوك علانية . فبينما هم على ذلك ، عرفهم عرفاؤهم من الكفار ، ممن كان يجمع أهل المدينة لعبادة الأصنام ، والذبح للطواغيت ، وذكروا أمرهم ، وكانوا قد خلوا في مصلى لهم يعبدون الله فيه ، ويتضرعون إليه ، ويتوقعون أن يذكروا لدقينوس ، فانطلق أولئك الكفرة حتى دخلوا عليهم مصلاهم ، فوجدوهم سجودا على وجوههم يتضرعون ، ويبكون ، ويرغبون إلى الله أن ينجيهم من دقينوس وفتنته ؛ فلما رآهم أولئك الكفرة من عرفائهم قالوا لهم : ما خلفكم عن أمر الملك ؟ انطلقوا إليه ثم خرجوا من عندهم ، فرفعوا أمرهم إلى دقينوس ، وقالوا : تجمع الناس للذبح لآلهتك ، وهؤلاء فتية من أهل بيتك ، يسخرون منك ، ويستهزئون بك ، ويعصون أمرك ، ويتركون آلهتك ، يعمدون إلى مصلى لهم ولأصحاب عيسى ابن مريم يصلون فيه ، ويتضرعون إلى إلههم وإله عيسى وأصحاب عيسى ، فلم تتركهم يصنعونهذا